ابن عربي
133
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا ؟ » ، ثم أقبل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : واللات والعزّى لا آمنت بك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا أعرابي ، ما حملك على الذي قلت ، وما قلت وقلت غير الحق ، ولم تكرم مجلسي ؟ » ، فقال : وتكلمني أيضا ، استخفافا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واللات والعزّى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضبّ ، فأخرج الضب من كمّه وطرحه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقال : إن آمن بك هذا الضب آمنت بك . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا ضبّ ، تكلم بإذن اللّه » ، فتكلم الضب بلسان عربي مبين ، يفهمه القوم جميعا : لبيك وسعديك يا رسول رب العالمين . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا ضب ، من تعبد ؟ » ، قال : الذي في السماء عرشه ، وفي الأرض سلطانه ، وفي البحر سبيله ، وفي الجنة رحمته ، وفي النار عذابه . قال : « فمن أنا يا ضب ؟ » ، قال : أنت رسول رب العالمين ، وخاتم النبيين ، قد أفلح من صدّقك ، وقد خاب من كذّبك . فقال الأعرابي : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أنك رسول اللّه حقا . واللّه لقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد أبغض إليّ منك ، واللّه لأنت الساعة أحبّ إليّ من نفسي ، ومن ولدي ، وقد آمنت بك بشعري ، وبشري ، وداخلي ، وخارجي ، وسرّي ، وعلانيتي . فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الحمد للّه الذي هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه ، لا يقبله اللّه إلا بصلاة ، ولا يقبل الصلاة إلا بقرآن » . فعلّمه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الفاتحة والإخلاص . وقال لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما سمعت في البسيط ولا في الرجز أحسن من هذا . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن هذا كلام رب العالمين ، وليس بشعر ، فإذا قرأت : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فكأنما قرأت ثلث القرآن ، وإذا قرأتها مرتين ، فكأنما قرأت ثلثي القرآن ، وإذا قرأتها ثلاث مرات ، فكأنما قرأت القرآن كله » . فقال الأعرابي : نعم الإله إلهنا ، يقبل اليسير ، ويعطي الجزيل . ثم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أعطوا الأعرابي » ، فأعطوه حتى أبطروه . فقام عبد الرحمن بن عوف ، فقال : يا رسول اللّه ، إني أريد أن أعطيه ناقة أقرّب بها إلى اللّه دون البختي وفوق العرابي ، وهي عشراء تلحق ولا تلحق ، أهديت إليّ يوم تبوك . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « قد وصفت ما تعطي ، فأصف لك ما يعطيك اللّه جزاء » . قال : نعم . قال : « لك ناقة من درّة جوفاء ، قوائمها من زبرجد أخضر ، وعنقها من زبرجد أصفر ، عليها هودج وعلى الهودج السندس والإستبرق ، تمرّ بك إلى الصراط كالبرق الخاطف » . فخرج الأعرابي من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلقيه ألف أعرابي على ألف دابة وألف رمح وألف سيف ، فقال لهم : أين تريدون ؟ فقالوا : نقاتل هذا الذي يكذب ويزعم أنه نبي . فقال الأعرابي : إني أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأن محمدا رسول اللّه . فقالوا له : صبوت . فقال : صبوت ، وحدّثهم الحديث . فقالوا بأجمعهم : نشهد أن لا إله إلا اللّه ، ونشهد أن محمدا